فخر الدين الرازي

238

تفسير الرازي

الكتاب يكون من الله ، لا من غيره وهذا الحصر معنى معتبر ، أما إذا أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة الثالث : أنا إذا أضمرنا المبتدأ صار التقدير هذا تنزيل الكتاب من الله ، وحينئذ يلزمنا مجاز آخر ، لأن هذا إشارة إلى السورة ، والسورة ليست نفس التنزيل ، بل السورة منزلة ، فحينئذ يحتاج إلى أن نقول المراد من المصدر المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة . المسألة الثانية : القائلون بخلق القرآن احتجوا بأن قالوا : إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلاً ومنزلاً ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق والجواب : أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف . المسألة الثالثة : الآيات الكثير تدل على وصف القرآن بكونه تنزيلاً وآيات أخر تدل على كونه منزلاً . أما الأول : فقوله تعالى : وإنه لتنزيل رب العالمين ) * ( الشعراء : 192 ) ، وقال : * ( تنزيل من حكيم حميد ) * ( فصلت : 42 ) وقال : * ( حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ) * ( فصلت : 1 ، 2 ) . وأما الثاني : فقوله : * ( إنا نحن نزلنا الذكر ) * ( الحجر : 9 ) وقال : * ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) * ( الإسراء : 105 ) وأنت تعلم أن كونه منزلاً أقرب إلى الحقيقة من كونه تنزيلاً ، فكونه منزلاً مجاز أيضاً لأنه إن كان المراد من القرآن الصفة القائمة بذات الله فهو لا يقبل الانفصال والنزول ، وإن كان المراد منه الحروف والأصوات فهي أعراض لا تقبل الانتقال والنزول ، بل المراد من النزول نزول الملك الذي بلغها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادراً على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة ، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا فنقول كونه تعالى : عزيزاً حكيماً يدل على هذه الصفات الثلاثة ، العلم بجميع المعلومات ، والقدرة على كل الممكنات ، والاستغناء عن كل الحاجات ، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح ، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصواباً . إذا ثبت هذا فنقول الانتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما : أن يعلم أن القرآن كلام الله ، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقاً ، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني : أن الله أراد بهذه الألفاظ المعاني التي هي موضوعة لها ، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيساً ، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين ، وثبت أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيماً ، وثبت أن لا سبيل